أحمد ياسوف

136

دراسات فنيه في القرآن الكريم

واستقرت فيها ، فكان من الطبيعي أن تتملك الفعل ، فهي التي تحيط ، وليس الفعل مبنيا للمجهول ، مما يعبر هنا عن ضآلة العاصي وفقدانه الإرادة التي هي طبع بشري يميزه من الحيوان ، وهكذا قدمت لنا الكلمة ، مشهدا دائريا يختنق فيه هذا العاصي ، ونكتفي بهذه الآيات ونعود إلى الحركات في فقرة لاحقة . د - الإيغال في الحسية : ونريد هنا أن الصورة لا تشتمل على تجسيم ، ولكن اختيرت كلمة حسية شديدة الحسية لتعبر عن طرف حسي آخر ، ولكن هذه الحسية الزائدة بمنزلة الانتقال من الذهني إلى المحسوس ، وذلك مثل الجمع بين الميثاق والغلظ ، كما في قوله تعالى : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ الأحزاب : 7 ] ، فالميثاق يكون في الاعتقاد والكلام وهذا الأخير حسي ، ويكون بالعبادات ، ولكن عبارة « غليظا » زيادة في الحضور الحسي ، حتى لنتصور الميثاق كائنا ذا أبعاد ثلاثة وله سماكة معينة ، وذلك للمبالغة في الرضوخ له . ومن هذا القبيل الاقتران بين العذاب والغلظ ، كما في قوله عز وجل : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [ لقمان : 24 ] ، والآية الأخرى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [ فصلت : 50 ] ، فغليظ تبالغ في الإحساس بوجود العذاب وهو حسي وروحي معا ، لأن النار مادة والإهانة روحية ، ولكن يتصور المرء أن الإنسان العاصي يتلمس هذا العذاب ، وكأنه كتلة سميكة وذات كثافة ، مبالغة في ضغطه وإيلامه . كما أن شدة اللفظ في نطق « نضطرهم » بعد « ثم » الموحية بالتجهيزات الوافية ما يزيد في إدراك جمالية الغلظ وحسيتها ، كذلك شدة اللفظ في « لنذيقنهم » تعين على تصور كبر حجم هذا العذاب الذي يذاق ، وكأنه يدسّ في الفم ويتفاعل مع الأحشاء مما لا يوصف في تصورنا مع أن حرف